خليل الصفدي

365

أعيان العصر وأعوان النصر

ثم إنه خرج بنفسه في طلب الأحدب « 1 » الخارج بالصعيد ، وأبعد في طلبه ، وعدى مدينة قوص فهرب أمامه ، وأمسك من جماعته جماعة كثيرة إلى الغاية ، ووسطهم من مكان الظفر بهم إلى القاهرة ، وأبلى في أمرهم بلاء حسنا ، وطهر الأرض منهم ، وكان ذلك في أواخر سنة أربع وخمسين وسبعمائة ، وأوائل سنة خمس وخمسين ، ولم يزل مظفرا منصورا فيما يحاوله . وقلت أنا فيه : شيخو أمير الجيوش سار * لأحدب باسه لطيخ أهمل أمر العقاب لمّا * ريش في ضعفه الفريخ قولوا له أنت في ضلال * ما فيه خير ، وفيه ريخ مالك قدّامه مطار * أنت صبيّ ، وذاك شيخو ولم يزل على حاله إلى أن قيل له : إن الأمير سيف الدين جردمر « 2 » أخا الأمير سيف الدين طاز ، والأمير ركن الدين عمر بن أحمد بن بكتمر الساقي قد أوقعا بينك وبين السلطان ، وقد عزموا على الإيقاع بك ، فتيقّظ هو لهذا الأمر ، وخلع السلطان الملك الصالح في يوم الاثنين الثاني من شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة ، وأخرج السلطان الملك الناصر حسن ، وأجلسه على التخت ، وحلف له هو والعساكر ، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب نائبا ومعه إخوته ، واستقر هو بالقاهرة على حاله كل الأمور راجعة إلى أمره ، وزادت عظمته بعد ذلك ، وزادت أملاكه وإقطاعه ، ومستأجراته بالشام وبالديار المصرية ، وصار نوّابه بالشام في كل مدينة أمراء كبارا وخدموه ، وبالغوا إلى أن قيل : إنه كان يدخل ديوانه من إقطاعه وأملاكه ، ومستأجراته في كل يوم مبلغ مائتي ألف درهم وأكثر ، وهذا شيء لم نسمع به في هذه الدولة التركية . وعمّر المدرسة العظيمة والخانقاه المليحة ، والتربة الحسنة في الصليبة ، وقرر في المدرسة الأربعة مذاهب ، ووقف عليها الوقوف العظيمة . ولم يزل على حاله ، إلى أن كان يوم الخميس الثامن من شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة ، فخرج شخص من مماليك السلطان المرتجعية عن الأمير سيف الدين منجك يدعى باي قجا لما ، جلس السلطان في دار العدل ، وأذن للخاصكية بالدخول فوثب عليه ، وضربه بالسيف في وجهه وفي يده ، وكانت واقعة صعبة ، ومات من الزحمة على ما قيل يوم

--> ( 1 ) الأحدب هو : محمد بن واصل . ( انظر : أخباره في الذيل التام : 133 ) . ( 2 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 535 .